أخبار

حل لغز صهيل الحصان أخيرًا: العلماء يكتشفون أن الخيول تصفر وتغني في آنٍ واحد!

منذ آلاف السنين والخيول ترافق البشر، ومع ذلك ظلّ صوتها المميز — الصهيل — لغزًا صوتيًا حيّر العلماء لعقود. فكيف يمكن لحيوان ضخم كالحصان أن ينتج صوتًا يمزج بين نغمات عالية ومنخفضة في اللحظة ذاتها؟ الجواب جاء أخيرًا في دراسة رائدة نُشرت في 23 فبراير 2026 في مجلة Current Biology، لتكشف عن سرّ صوتي مذهل: الخيول تصفر وتغني في آنٍ واحد!

اللغز الذي حيّر العلماء

صهيل الحصان ليس صوتًا عاديًا. إنه مزيج غير مألوف من ترددات عالية ومنخفضة تخرج في الوقت نفسه، كما لو كان الحصان يجمع بين الشخير والصرير في نداء واحد. الجزء المنخفض من الصهيل لم يكن لغزًا كبيرًا؛ فهو ينتج عن مرور الهواء فوق أنسجة الحنجرة التي تهتز بطريقة مشابهة لطريقة كلام البشر وغنائهم. لكن الجزء العالي الحاد كان محيرًا للغاية.

القاعدة العامة في عالم الحيوان أن الحيوانات الأكبر حجمًا تنتج أصواتًا أعمق وأخفض ترددًا، لأن حناجرها أكبر. فكيف ينتج الحصان — وهو من أضخم الثدييات المستأنسة — هذه الترددات العالية المفاجئة؟

التجربة الحاسمة: غاز الهيليوم يكشف السر

لحل هذا اللغز، قاد الباحث رومان لوفيفر من جامعة كوبنهاغن فريقًا دوليًا ضمّ علماء من جامعة فيينا وجامعة ليون الفرنسية. أدخل الباحثون كاميرا صغيرة عبر أنوف الخيول لتصوير ما يحدث داخل حناجرها أثناء الصهيل. ولتأكيد اكتشافهم، أجروا تجارب على حناجر مستأصلة من خيول نافقة، حيث مرّروا تيارًا من الهواء ثم من غاز الهيليوم عبرها.

اقرأ أيضاً:  مضادات حيوية محظورة داخل أسماك نهر بيراسيكابا البرازيلي: دراسة صادمة تكشف تهديدًا خفيًا لصحة الإنسان

النتيجة كانت مذهلة. عندما استُخدم الهيليوم، ارتفع التردد العالي بشكل واضح بينما بقي التردد المنخفض ثابتًا دون تغيير. ولأن سرعة الصوت أعلى في الهيليوم، فإن ترددات الصفير ترتفع معه، بينما لا تتأثر الأصوات الناتجة عن اهتزاز الحبال الصوتية. وصف البروفيسور ويليام تيكومسيه فيتش من جامعة فيينا تلك اللحظة الفارقة قائلًا: “عندما مرّرنا الهيليوم عبر الحنجرة للمرة الأولى، كان تحوّل التردد واضحًا فورًا، وعرفنا أننا حللنا اللغز. كنا في قمة السعادة!”

الاكتشاف: غناء وصفير في آنٍ واحد

اكتشف الفريق أن صهيل الحصان يمثل ظاهرة صوتية نادرة تُعرف بـ”التصويت الثنائي” أو “البايفونيشن” (Biphonation)، حيث يحتوي النداء الواحد على مكونين تردديين مستقلين: واحد منخفض وآخر مرتفع.

أعلنت الباحثة إيلودي بريفير من جامعة كوبنهاغن: “نعرف الآن أخيرًا كيف يُنتج الحصان الترددين الأساسيين اللذين يشكّلان الصهيل. في السابق، وجدنا أن هذين الترددين مهمان للخيول لأنهما ينقلان رسائل مختلفة عن مشاعرها. والآن لدينا دليل قاطع على أنهما يُنتَجان بآليتين مختلفتين تمامًا.”

ينتج الحصان النغمة العميقة المنخفضة عبر اهتزاز الحبال الصوتية، تمامًا كما يغني الإنسان أو يموء القط. أما النغمة العالية الحادة فتنتج عبر صفير داخل الحنجرة، حيث يوجد غضروف قوي فوق الحنجرة يتقلص ليترك فتحة صغيرة يخرج منها الصفير، وهذا يختلف عن صفير البشر الذي نصدره بشفاهنا.

الخيول: أول الثدييات الكبيرة التي تصفر

بعض القوارض الصغيرة كالفئران تصفر بهذه الطريقة، لكن الخيول هي أول ثدييات كبيرة معروفة تمتلك هذه القدرة. أكثر من ذلك، هي الحيوانات الوحيدة المعروفة القادرة على الصفير عبر حنجرتها بينما “تغني” في الوقت ذاته.

علّقت البروفيسورة جينيفر نادو من جامعة كونيتيكت، التي لم تشارك في الدراسة، قائلة: “لم أتخيل أبدًا وجود مكون صفيري في الصهيل. هذا مثير للاهتمام حقًا، ويمكنني سماعه الآن!”

اقرأ أيضاً:  ضفادع بورنيو "ذات الأنياب": دراسة جينومية تكشف أنواعًا مخفية خدعت العلماء قرابة 200 عام

لماذا طوّرت الخيول هذه القدرة الفريدة؟

يعتقد الباحثون أن هذه القدرة الصوتية تطوّرت لتمكين الخيول من إرسال رسائل متعددة ومستقلة في الوقت نفسه. قد يكون التردد العالي مخصصًا للتواصل عبر مسافات بعيدة، بينما التردد المنخفض للمسافات القريبة. كما أن النغمتين المختلفتين قد تساعدان الخيول على التعبير عن نطاق أوسع وأكثر تعقيدًا من المشاعر أثناء التفاعل الاجتماعي.

ماذا عن أقارب الحصان؟

وجد الباحثون أن خيول برزيفالسكي البرية — وهي النوع الأقرب للخيول المستأنسة — تنتج صهيلًا يحتوي على التصويت الثنائي أيضًا. لكن الأقارب الأبعد كالحمير والحمر الوحشية (الزيبرا) لا تستطيع إنتاج الترددات العالية، مما يشير إلى أن الخيول طوّرت تكيفات صوتية فريدة تمنحها طيفًا أغنى وأكثر تعقيدًا من النداءات مقارنة بمعظم الثدييات الأخرى.

لماذا يهمّنا فهم صهيل الحصان؟

رغم أن الخيول المستأنسة عاشت بجانب البشر لأكثر من 4000 عام، إلا أن تواصلها الصوتي ظل غامضًا إلى حد كبير. هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام أبحاث مستقبلية متنوعة: هل تتحكم الخيول في صوت الصفير عبر تغيير شكل مجرى الصوت أو تحريك ألسنتها وفكوكها وشفاهها؟ وكيف يمكن استخدام هذا الفهم لتحسين التواصل بين البشر والخيول في مجالات الفروسية والعلاج بالخيول؟

تقول أليسا هيربست من مركز علوم الخيول بجامعة روتجرز: “معرفة أن الصهيل ليس مجرد صهيل، بل يتكون فعليًا من ترددين أساسيين مختلفين يُنتَجان بآليتين مختلفتين — هذا أمر مثير!”

إن هذه الدراسة تذكّرنا بأنه حتى الأصوات الأكثر ألفة في حياتنا قد تخفي أسرارًا علمية مذهلة، وأن العلم لا يتوقف عن مفاجأتنا بجمال التعقيد الكامن في أبسط الأشياء.


المصادر

  • Lefèvre, R.A. et al. (2026). “The high fundamental frequency in horse whinnies is generated by an aerodynamic whistle.” Current Biology, 36(4), 902-911. DOI: 10.1016/j.cub.2026.01.004
  • University of Copenhagen – ScienceDaily – Scientific American – Smithsonian Magazine – PBS News – NPR – Nature – Science Alert – Phys.org – Euronews
اقرأ أيضاً:  مشروع Antscan: مسرّع جسيمات وروبوتات وذكاء اصطناعي يحوّلون 2000 نملة إلى نماذج ثلاثية الأبعاد في أسبوع واحد

المكتب العلمي

يتولى المكتب العلمي في موقع (داجنة) مهمة البحث الميداني والمكتبي في أحدث المراجع والدوريات البيطرية. يقوم فريقنا من الباحثين وصناع المحتوى الطبي بجمع المعلومات وتحليلها وصياغتها بأسلوب علمي مبسط لخدمة المربين والمهتمين بالثروة الحيوانية والحيوانات الأليفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى